الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعض السور بدون فرق أنها مقصودة للتهجّي تحدّيا لبلغاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وتورّكا عليهم إذ عجزوا عنه واتفق أهل العدّ على أن ص ليس بآية مستقلة بل هي في مبدأ آية إلى قوله : ذِي الذِّكْرِ وإنما لم تعد ص آية لأنها حرف واحد كما لم يعد ق [ ق : 1 ] و ن [ القلم : 1 ] آية . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . الواو للقسم أقسم بالقرآن قسم تنويه به . ووصف ب ذِي الذِّكْرِ لأن ذِي تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصف مقصود التنويه به . و الذِّكْرِ : التذكير ، أي تذكير الناس بما هم عنه غافلون . ويجوز أن يراد بالذكر ذكر اللسان وهو على معنى : الذي يذكر ، بالبناء للنائب ، أي والقرآن المذكور ، أي الممدوح المستحق الثناء على أحد التفسيرين في قوله تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء : 10 ] أي شرفكم . وقد تردد المفسرون في تعيين جواب القسم على أقوال سبعة أو ثمانية وأحسن ما قيل فيه هنا أحد وجهين : أولهما أن يكون محذوفا دلّ عليه حرف ص فإن المقصود منه التحدّي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بلغتهم ومؤلّف من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته . فالتقدير : والقرآن ذي الذكر أنه لمن عند اللّه لهذا عجزتم عن الإتيان بمثله . وثانيهما : الذي أرى أن الجواب محذوف أيضا دل عليه الإضراب الذي في قوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ ص : 2 ] بعد أن وصف القرآن ب ذِي الذِّكْرِ ، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذكر وموقظ للعقول فكأنه قيل : إنه لذكر ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون أنه ذكر ويقولون : سحر مفترى وهم يعلمون أنه حق كقوله تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] ، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق ، وليس حرف ص هو المقسم عليه مقدما على القسم ، أي ليس دليل الجواب من اللفظ بل من المعنى والسياق . والغرض من حذف جواب القسم هنا الإعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عنادا أو شقاقا منهم .